مجموعة مؤلفين
469
إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول
قلت : لأن أداء الفرائض بمنزلة أداء الدين ، وهو لا يوجب كمال المحبة ، وإذا النوافل بمنزلة إهداء الهدية ، وهو أمر يوجب ما ذكر وإليه الإشارة بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « تهادوا تحابوا » « 1 » وهذا الوجه لأهل الصحو منهم ، وليس من القول بالحلول في شيء ، وحينئذ فالقول يكون الوجود واحدا هو وجود الواجب تعالى وتقدس ، إما بحسب الادعاء وتنزيل القاصد عن ذروة الكمال بالقياس إلى بالغها منزلة العدم كما هو قضية الوجهين الأولين ، وإمّا باعتبار ما يراه الشخص الفاني في مولاه الذّاهل عن كل شيء سواه ، كما هو قضية الوجه الثالث . فيظهر أن القول بوحدة الوجود على نحو الإنحاء المذكورة محضر الإيمان وكمال العرفان ، وألا يجوز شرعا ولا عقلا أن ينسب إليهم ما يحل بعقائدهم أو يحط بمراتبهم ، وكم من غائب قولا صحيحا وافقه من الفهم السقيم ، نعم قد يقع من السادة الصوفية ألفاظ موهمة ، إما لكونها قد اصطلحوا بها على معان أخر غير ما يتعارفه أهل اللغة والشرع والعرف العام ، فيحصل بحملها على غير ما اصطلح عليه معان قاصرة ، وإما لكون تلك الألفاظ لا تفي بما قصدوه من تلك المعاني التي هي كالملاحة تدرك ولا توصف ، ولذا اعتبر أبو حنيفة دليل الاستحسان في أمر الأحكام الشرعية ، وسماه أيضا بالقياس الخفي ، وفسر بأنه دليل ينقدح في نفس المجتهد ، ولا تفي عبارته بإفادته كالصيرفي يدرك الزيف في الدينار ، ويتعسر عليه التعبير عنه . فيجب على علماء الظاهر الأخذ بأصابع القاصرين عن الوقوع في مزالق الهالكين ، وذلك بأن يقول لهم : هذه أسرار لا يفهمها إلا أربابها ، لا بأن تقدحوا في
--> ( 1 ) رواه البيهقي في الكبرى ( 6 / 159 ) .